أحمد بن محمد مسكويه الرازي
125
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
بها ، حتى لا تتغالب وحتى تتسالم هذه القوى فيه ، وتصدر أفعاله كلها بحسب قوته المميزة منتظمة مرتبة ، كما ينبغي وينتهي إلى التدبير المدني الذي يرتب الافعال والقوى بين الناس ، حتى تنتظم إلى ذلك الانتظام ويسعدوا سعادة مشتركة ، كما كان ذلك في الشخص الواحد . فإذا الكمال الأول النظري منزلته منزلة الصورة ، والكمال الثاني العملي منزلته منزلة المادة ، وليس يتم أحدهما إلا بالآخر لأن العلم مبدأ والعمل تمام ، والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا ، والتمام بلا مبدأ يكون مستحيلا ، وهذا الكمال هو الذي سميناه غرضا ، وذلك ان الغرض والكمال بالذات هما شيء واحد ، وانما يختلفان بالإضافة ، فإذا نظر اليه وهو بعد في النفس ولم يخرج إلى الفعل فهو غرض ، فإذا خرج إلى الفعل وتم فهو كمال . وكذلك الحال في كل شيء لأن البيت إذا كان متصورا للباني ، وكان عالما بأجزائه وتركيبه وسائر أحواله كان غرضا ، فإذا أخرجه إلى الفعل وتمّمه كان كمالا . فقد صح من جميع ما قدمناه ان الانسان يصير « 1 » إلى كماله . ويصدر عنه فعله الخاص به إذا علم الموجودات كلها أي يعلم كلياتها وحدودها التي هي ذواتها لا أغراضها ، وخواصها التي تصيرها بلا نهاية ؛ فإنك إذا علمت كليات الموجودات فقد علمت جزئياتها بنحو ما ، لأن الجزئيات لا تخرج عن كلياتها . فإذا كملت هذا الكمال فتممه بالفعل المنظوم ، ورتب القوى والملكات التي فيك ترتيبا علميا كما سبق علمك به ، فإذا انتهيت إلى هذه الرتب فقد صرت عالما وحدك ، واستحققت ان تسمى عالما صغيرا لأن صور الموجودات كلها قد حصلت في ذاتك ، فصرت أنت
--> ( 1 ) . أي : يسير .